سيد محمد طنطاوي

399

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اللَّيْلَ والنَّهارَ . وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه لا تُحْصُوها ، إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ « 1 » . وأنه سجل هذا التكريم في القرآن الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا . وقوله - تعالى - * ( وحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ) * بيان لنوع من أنواع هذا التكريم . أي : وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا في البر على الدواب وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها ، وحملناهم في البحر على السفن وعابرات البحار التي تنقلهم من مكان إلى آخر . وقوله : * ( ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) * بيان لنوع آخر من أنواع التكريم . أي : ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس ، التي يستلذونها ، ولا يستغنون عنها في حياتهم . وقوله : * ( وفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ) * بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم ، أي : وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التي لا تحصى ، تفضيلا عظيما . وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذي منحه اللَّه - تعالى - لبنى آدم . وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل ، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازي ، فقد قال - رحمه اللَّه - ما ملخصه : لقد قال اللَّه - تعالى - في أول الآية * ( ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) * وقال في آخرها * ( وفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ) * . ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار . والأقرب أن يقال : إنه - تعالى - فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية ، مثل : العقل ، والنطق ، والصورة الحسنة . . ثم إنه - تعالى - عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة ، والأخلاق الفاضلة فالأول : هو التكريم ، والثاني : هو التفضيل » « 2 » . وكأن الفخر الرازي يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التي امتاز بها بنو آدم ، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة ، وأخلاق قويمة .

--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآيات 32 ، 33 ، 34 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 421 .