سيد محمد طنطاوي
396
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : وإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ . فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شيء ، لا في البحر ولا في البر ولا في غيرهما فقال : * ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ) * والهمزة في قوله * ( أَفَأَمِنْتُمْ ) * للاستفهام الإنكارى ، والفاء عاطفة على محذوف ، والتقدير : أنجوتم فأمنتم . وقوله * ( يَخْسِفَ ) * من الخسف وهو انهيار الأرض بالشيء ، وتغييبه في باطنها و * ( جانِبَ الْبَرِّ ) * ناحية أرض ، وسماه - سبحانه - جانبا ، لأن البحر يمثل جانبا من الأرض ، والبر يمثل جانبا آخر . والحاصب : الريح الشديدة ، التي ترمى بالحصباء ، وهي الحجارة الصغيرة . يقال . حصب فلان فلانا ، إذا رماه بالحصباء . والمعنى : أنجوتم من الغرق - أيها الناس - ففرحتم وأمنتم ونسيتم أن اللَّه - تعالى - إذا كان قد أنجاكم من الغرق ، فهو قادر على أن يخسف بكم جانب الأرض ، وقادر كذلك على أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحصباء التي تهلككم ثم لا تجدوا لكم وكيلا تكلون إليه أموركم ، ونصيرا ينصركم ويحفظكم من عذاب اللَّه - تعالى - . إن كنتم قد أمنتم عذاب اللَّه بعد نجاتكم من الغرق ، فأنتم جاهلون ، لأن قدرة اللَّه - تعالى - لا يعجزها أن تأخذكم أخذ عزيز مقتدر سواء كنتم في البحر أم في البر أم في غيرهما ، إذ جميع جوانب هذا الكون في قبضة اللَّه - تعالى - وتحت سيطرته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت فما معنى ذكر الجانب ؟ قلت : معناه ، أن الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء ، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة ، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك ، بل إن كان الغرق في جانب البحر ، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف ، لأنه تغييب تحت التراب ، كما أن الغرق تغييب تحت الماء فالبر والبحر عنده سيان ، يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من اللَّه في جميع الجوانب وحيث كان » « 2 » . ثم ساق - سبحانه - مثالا آخر للدلالة على شمول قدرته ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) سورة لقمان الآية 32 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 679 .