سيد محمد طنطاوي
392
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ختم - سبحانه - الآيات بغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - : * ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ، وكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) * . أي : إن عبادي الصالحين الذين أخلصوا دينهم لي ، ليس لك - يا إبليس - تسلط واقتدار على إغوائهم وإضلالهم ، وصرفهم عن السبيل الحق إلى السبيل الباطل . قال - تعالى - : إِنَّه لَيْسَ لَه سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّما سُلْطانُه عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه والَّذِينَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ « 2 » . والإضافة في قوله * ( إِنَّ عِبادِي . . . ) * للتشريف والتكريم حيث خصهم - سبحانه - بهذا اللون من الرعاية والحماية . وقوله * ( وكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) * أي : وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه ، ويفوضون إليه أمورهم ، ويعتصمون به لكي يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته . قال الإمام ابن كثير : قوله : * ( وكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) * أي : حافظا ومؤيدا ونصيرا . روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن المؤمن لينضى شيطانه - أي ليقهره - كما ينضى أحدكم بعيره في السفر » « 3 » . وقال الجمل في حاشيته : وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه اللَّه . وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال ، لأنه لو كان الإقدام على الحق ، والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه ، لوجب أن يقال : وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان . فلما لم يقل ذلك ، بل قال : وكفى بربك وكيلا . علمنا أن الكل من اللَّه . ولهذا قال المحققون : لا حول عن معصية اللَّه إلا بعصمة اللَّه ، ولا قوة على طاعته إلا بقوته . « 4 » . وبعد أن بين - سبحانه - لبنى آدم ما يبيته إبليس من عداوة وبغضاء ، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه - تعالى - عليهم في البر والبحر وفي السراء والضراء فقال - عز وجل - :
--> ( 1 ) سورة النحل الآيتان 99 ، 100 . ( 2 ) سورة الحجر الآية 42 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50 . ( 4 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 625 .