سيد محمد طنطاوي
38
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والجار والمجرور صفة لصلصال أي : من صلصال كائن من حمأ ، ومسنون صفة لحمإ . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المادة التي خلق منها الجان فقال - سبحانه - : * ( والْجَانَّ خَلَقْناه مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) * . والمراد بالجان هنا : أبو الجن عند جمهور المفسرين . وقيل هو إبليس . وقيل هو اسم لجنس الجن . وسمى جانا لتواريه عن الأعين ، واستتاره عن بني آدم . أي : والجان خلقناه * ( مِنْ قَبْلُ ) * أي : من قبل خلق آدم * ( مِنْ نارِ السَّمُومِ ) * أي : من الريح الحارة التي تقتل . وسميت سموما ، لأنها لشدة حرارتها ، وقوة تأثيرها تنفذ في مسام البدن . قال ابن كثير : وقد ورد في الحديث الصحيح : « خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الجان من مارج من نار ، وخلق بنو آدم مما وصف لكم » « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما أمر به ملائكته عندما توجهت إرادته - سبحانه - لخلق آدم ، فقال - تعالى - : * ( وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ، فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) * . أي : واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال ربك - سبحانه - للملائكة - الذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - * ( إِنِّي خالِقٌ ) * بقدرتي * ( بَشَراً ) * أي : إنسانا ، وعبر عنه بذلك اعتبارا بظهور بشرته وهي ظاهر الجلد * ( مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) * . * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ) * أي : سويت خلق هذا البشر ، وكملت أجزاءه ، وجعلته في أحسن تقويم . . . * ( ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ) * أي : وضعت فيه ما به حياته وحركته وهو الروح ، الذي لا يعلم حقيقته أحد سواي . قال القرطبي : قوله : * ( ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ) * النفخ إجراء الريح في الشيء . والروح جسم لطيف ، أجرى اللَّه العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم . وحقيقته
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 451 .