سيد محمد طنطاوي

388

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إذ أن اللام في قوله * ( لَئِنْ . . . ) * موطئة للقسم ، وجوابه لأحتنكن . وأصل الاحتناك : الاستيلاء على الشيء أو الاستئصال له . يقال : حنك فلان الدابة يحتنكها - بكسر النون ورفعها - إذا وضع في حنكها - أي في ذقنها - الرسن ليقودها به . ويقال : احتنك الجراد الأرض ، إذا أكل نباتها وأتى عليه . والمعنى : قال إبليس - متوعدا ومهددا - : لئن أخرتن - يا إلهي - إلى يوم القيامة ، لأستولين على ذرية آدم ، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصي والشهوات ، إلا عددا قليلا منهم فإني لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم ، لقوة إيمانهم ، وشدة إخلاصهم . وهذا الذي ذكره - سبحانه - عن إبليس في هذه الآية من قوله : * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَلِيلًا ) * شبيه به قوله - تعالى - : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ ، وعَنْ أَيْمانِهِمْ ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ ، ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ « 1 » . وقوله - تعالى - قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ « 2 » . قال بعض العلماء : وقول إبليس في هذه الآية : * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه . . . ) * قاله ظنا منه أنه سيقع . وقد تحقق له هذا الظن - في كثير من بني آدم - كما قال - تعالى - ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » . وقوله - تعالى - * ( قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ) * بيان لما توعد اللَّه - سبحانه - به إبليس وأتباعه . والأمر في قوله * ( اذْهَبْ ) * للإهانة والتحقير . أي : قال اللَّه - تعالى - لإبليس * ( اذْهَبْ ) * مطرودا ملعونا ، وقد أخرناك إلى يوم القيامة ، فافعل ما بدا لك مع بني آدم ، فمن أطاعك منهم ، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه . وقال - سبحانه - * ( فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ) * مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب في قوله * ( فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) * ، تغليبا لجانب المخاطب - وهو إبليس - على جانب الغائب وهم أتباعه . لأنه هو السبب في إغواء هؤلاء الأتباع . وقوله : * ( جَزاءً ) * مفعول مطلق ، منصوب بالمصدر قبله .

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 17 . ( 2 ) سورة ص الآيتان 82 ، 83 . ( 3 ) سورة سبأ الآية 20 .