سيد محمد طنطاوي
384
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية ، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلا . وقد كان في سرعته كأنه رؤيا منامية . وكان ما رآه صلى اللَّه عليه وسلم في تلك الليلة فتنة للناس ، لأنه لما قص عليهم ما رآه ، ارتد بعضهم عن الإسلام ، وتردد البعض الآخر في قبوله ، وضاقت عقولهم عن تصديقه ، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب صلى اللَّه عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم يعرج إلى السماوات العلا . . ثم يعود إلى مكة ، كل ذلك في ليلة واحدة . وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا : ما رآه النبي صلى اللَّه عليه وسلم من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه . . وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : ما أراه اللَّه - تعالى - لنبيه في منامه ، من مصارع المشركين قبل غزوة بدر فقد قال صلى اللَّه عليه وسلم قبل بدء المعركة : واللَّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم . ثم أومأ إلى الأرض وقال : هذا مصرع فلان . وهذا مصرع فلان . والذي نرجحه هو الرأي الأول ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه على الرأيين الثاني والثالث يترجح أن الآية مدنية ، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة ، والتحقيق أن هذه الآية مكية . قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ . . ) * لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ، ضم إليه ذكر آية الإسراء ، وهي المذكورة في صدر السورة . وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله - تعالى - : * ( وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) * قال : هي رؤيا عين أريها النبي صلى اللَّه عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس . . . وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه أسرى به . وقيل : كانت رؤيا نوم . وهذه الآية تقضى بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها . وعن ابن عباس قال : الرؤيا التي في هذه الآية ، رؤيا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية - فرده المشركون عن دخولها في تلك السنة - ، فافتتن بعض المسلمين لذلك ، فنزلت هذه الآية . . وفي هذا التأويل ضعف . لأن السورة مكية ، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة . . . » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 282 .