سيد محمد طنطاوي
381
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالآيات : ما اقترحه المشركون على النبي صلى اللَّه عليه وسلم من قلب الصفا ذهبا ، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها . . . والمعنى : وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التي طلبها المشركون منك - أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم ، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون ، وفي هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا . وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم - ، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة . قالوا : ومن الحكم في هذا التأخير : الإظهار لمزيد شرف النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، كما قال - تعالى - : وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ، والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين ، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين ، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . قال صاحب الكشاف : استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة . . . والمراد : الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء الموتى ، وغير ذلك . وعادة اللَّه في الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها . ثم لم يؤمن ، أن يعاجل بعذاب الاستئصال . فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، وقالوا : هذا سحر مبين ، كما يقولون في غيرها . واستوجبوا العذاب المستأصل . وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة » « 1 » . ثم ساق - سبحانه - مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه ، ولكنهم لم يؤمنوا ، فأخذهم عذاب الاستئصال ، فقال - تعالى - : * ( وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها ) * . وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - ، وخصهم بالذكر ، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام . والناقة المراد بها : ناقة صالح - عليه السلام - التي طلبها قومه منه ، فأخرجها اللَّه - تعالى - لهم لتكون معجزة له ، ولكنهم لم يؤمنوا به ، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، فأهلكهم اللَّه - تعالى - بالصيحة التي جعلتهم في دارهم جاثمين .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 674 .