سيد محمد طنطاوي

374

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - أن مصير جميع الخلائق إليه ، وأنه محيط بأحوالهم فقال . * ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ، أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ) * . . . أي : ربكم - أيها الناس - أعلم بكم من أنفسكم ، وهو - سبحانه - إن يشأ بفضله يرحمكم ، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه ، وإن يشأ بعدله يعذبكم ، بسبب معاصيكم وفسوقكم عن أمره ، لا يسأل - عز وجل - عما يفعل ، أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . وقوله - تعالى - : * ( وما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ) * بيان لوظيفة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . أي : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلى الناس ، لتكون حفيظا ورقيبا . وموكولا إليك أمرهم في إجبارهم وإكراههم على الدخول في الإسلام ، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا . ثم انتقل - سبحانه - من بيان كمال علمه بأحوال الناس ، إلى بيان كمال علمه بجميع من في السماوات والأرض ، فقال - تعالى - : * ( ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * . أي : وربك - أيها الرسول الكريم - أعلم بأحوال من في السماوات والأرض من إنس وجن وملك ، وغير ذلك ، ولا يخفى عليه شيء من ظواهرهم أو بواطنهم ، ولا يعزب عن علمه - تعالى - شيء من طاعتهم أو معصيتهم ، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته ، وتبليغ وحيه كما قال : - تعالى - : اللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه . وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) * بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق ، وفضله العميم : وعطائه الواسع . والزبور : هو الكتاب الذي أنزله اللَّه - تعالى - على داود - عليه السلام . أي : ولقد فضلنا - على علم وحكمة منا - بعض النبيين على بعض ، بأن جعلنا منهم من كلم اللَّه ، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا ، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس ، ومنهم من آتيناه الزبور وهو داود - عليه السلام - . قال الإمام ابن كثير : وقوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) * وقوله - تعالى - : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ . . . لا ينافي ما ثبت من الصحيحين أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تفضلوا بين الأنبياء » فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية ، لا بمقتضى الدليل ، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه ، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء ، وأن أولى العزم منهم أفضلهم ، وهم الخمسة المذكورون