سيد محمد طنطاوي
366
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وإذ في قوله * ( إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وإِذْ هُمْ نَجْوى ) * ظرف لأعلم . ولفظ * ( نَجْوى ) * مصدر بمعنى التناجي والمسارة في الحديث . وقد جعلوا عين النجوى على سبيل المبالغة ، كما في قولهم : قوم عدل . ويجوز أن يكون جمع نجىّ ، كقتلى جمع قتيل أي : وإذ هم متناجون في أمرك . والمعنى : نحن - أيها الرسول الكريم - على علم تام بأحوال المشركين عند استماعهم للقرآن الكريم . حين تتلوه عليهم ، وبالطريقة التي يستمعون بها وبالغرض الذي من أجله يستمعون إليك . وعلى علم تام بأحوالهم حين يستمعون إليك فرادى : وحين يستمعون إليك ثم يتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ، والتواصي بمعصيتك . فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشركين على استماعهم المصحوب بالاستهزاء والسخرية من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن القرآن . وتسلية له صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم ، وبيان لشمول علم اللَّه - تعالى - لكل أحوالهم الظاهرة والخفية . وقوله - تعالى - : * ( إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) * بدل من قوله - تعالى - : * ( وإِذْ هُمْ نَجْوى ) * . والمسحور . هو الذي سحر فاختلط عقله ، وزالت عنه الهيئة السوية . أي : ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء - أيضا - عندما يقول بعضهم لبعض : لا تتبعوا محمدا صلى اللَّه عليه وسلم فيما يدعو إليه ، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم رجلا مسحورا ، أصابه السحر فأخرجه عن وعيه وعقله . وقال - سبحانه - : * ( إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ ) * بالإظهار دون الإضمار ، لتسجيل الظلم عليهم فيما تفوهوا به ، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم . وقوله - تعالى - : * ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) * تسلية عظيمة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذي هداهم اللَّه - تعالى - إليه . أي : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين . قد بلغ بهم الجحود والفجور ، أنهم مثلوا لك الأمثال ، فوصفوك تارة بأنك مسحور ، وتارة بأنك شاعر . وهم في وصفهم هذا ، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا ، وصاروا كالحيران الذي التبست عليه الطرق ، فأمسى لا يعرف السبيل الذي يسلكه . هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمة اللَّه - عند تفسيره لهذه الآيات ، ما يدل على أن