سيد محمد طنطاوي
33
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأرض ، وأنها تلقح الشجر ذا الثمرة ، بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر ، فتصلح ثمرته أو تثبت . . وهذا هو الإبار . وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع الذكر على الشجرة المثمرة . وبعضه يكتفى منه بغرس شجرة ذكر في خلال شجر الثمر . ومن بلاغة الآية الكريمة ، إيراد هذا الوصف - لواقح - لإفادة كلا العملين اللذين تعملهما الرياح - وهما الحمل للسحاب والمطر وغيرهما ، أو التلقيح لغيرها - . » « 1 » . وقوله * ( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوه . . ) * تفريع على ما تقدم . أي : وأرسلنا الرياح بقدرتنا من مكان إلى آخر ، حالة كونها حاملة للسحاب وغيره ، فأنزلنا - بسبب هذا الحمل - من جهة السماء ، ماء كثيرا هو المطر ، لتنتفعوا به في شرابكم ، وفي معاشكم ، وفي غير ذلك من ضرورات حياتكم . قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْه شَرابٌ ، ومِنْه شَجَرٌ فِيه تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِه الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأَعْنابَ ومِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . . . « 2 » . وقوله * ( وما أَنْتُمْ لَه بِخازِنِينَ ) * تتميم لنعمة إنزال الماء . أي : أنزلنا المطر من السماء ، وليست خزائنه عندكم . وإنما نحن الخازنون له ، ونحن الذين ننزله متى شئنا ، ونحن الذين نمنعه متى شئنا ، كما قال - تعالى - قبل ذلك : * ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * . ويصح أن يكون المعنى : أنزلنا المطر من السماء فجعلناه لسقياكم ، وأنتم لستم بقادرين على خزنه وحفظه في الآبار والعيون وغيرها ، وإنما نحن القادرون على ذلك . قال - تعالى - وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاه فِي الأَرْضِ وإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِه لَقادِرُونَ « 3 » . ثم بين - سبحانه - أن الإحياء والإماتة بيده وحده ، فقال - تعالى - : * ( وإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الْوارِثُونَ ) * . أي : وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة في المخلوقات ، والقادرون على سلبها عنها ، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه ، الباقون بعد زواله .
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 14 ص 38 لسماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور . ( 2 ) سورة النحل الآيتان 10 ، 11 . ( 3 ) سورة المؤمنون الآية 18 .