سيد محمد طنطاوي
31
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجملة * ( ومَنْ لَسْتُمْ لَه بِرازِقِينَ ) * معطوفة على « معايش » . والمراد بمن لستم له برازقين : ما يشمل الأطفال والعجزة والأنعام وغير ذلك من مخلوقات اللَّه التي تحتاج إلى العون والمساعدة . أي : وجعلنا لكم في الأرض ما تعيشون به أو ما تتوصلون به إلى ذلك من المكاسب والتجارات ، وجعلنا لكم فيها - أيضا - من لستم له برازقين من العيال والخدم والدواب . . . وإنما الرازق لهم هو اللَّه - تعالى - رب العالمين ، إذ ما من دابة في الأرض إلا على اللَّه وحده رزقها . وما يزعمه الجاهلون من أنهم هم الرازقون لغيرهم ، هو لون من الغرور والافتراء ، لأن الرازق للجميع هو اللَّه رب العالمين . وعبر بمن في قوله * ( ومَنْ لَسْتُمْ ) * تغليبا للعقلاء على غيرهم . قال الإمام ابن كثير : والمقصود - من هذه الجملة - أنه - تعالى - يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب ، وصنوف المعاشات وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها . والأنعام التي يأكلونها ، والعبيد والإماء التي يستخدمونها ، ورزقهم على خالقهم لا عليهم ، فلهم هم المنفعة ، والرزق على اللَّه - تعالى - » « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كل شيء في هذا الكون ، خاضع لإرادته وقدرته ، وتصرفه . . فقال - تعالى - * ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ، وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * . و « إن » نافية بمعنى ما ، و « من » مزيدة للتأكيد . و « خزائنه » جمع خزانة ، وهي في الأصل تطلق على المكان الذي توضع فيه نفائس الأموال للمحافظة عليها . والمعنى : وما من شيء من الأشياء الموجودة في هذا الكون ، والتي يتطلع الناس إلى الانتفاع بها . إلا ونحن قادرون على إيجادها وإيجاد أضعافها بلا تكلف أو إبطاء ، كما قال - تعالى - : إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ « 2 » . فقد شبه - سبحانه - اقتداره على إيجاد كل شيء ، بالخزائن المودعة فيها الأشياء ، والمعدة لإخراج ما يشاء إخراجه منها بدون كلفة أو إبطاء .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 447 . ( 2 ) سورة يس الآية 82 .