سيد محمد طنطاوي

307

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال أبو حيان : قوله - تعالى - * ( وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ . . ) * لما ذكر - سبحانه - القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة ، ذكر ما أنعم به مما لم يمكن الانتفاع إلا به ، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوي . وأيضا لما ذكر عجلة الإنسان ، وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك في الانتقال لا يثبت على حال ، فنور عقب ظلمة وبالعكس ، وازدياد نور وانتقاص آخر « 1 » . والمراد بالآيتين هنا : العلامتان الواضحتان ، الدالتان على قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته . وقوله : * ( فَمَحَوْنا ) * من المحو بمعنى إزالة أثر الشيء ، يقال : محا فلان الشيء محوا - من باب قتل - إذا أزال أثره . وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهات : أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه ، أن المراد بالآيتين : نفس الليل والنهار ، وأن الكلام ليس فيه حذف . فيكون المعنى : وجعلنا الليل والنهار - بهيئاتهما الثابتة ، وتعاقبهما الدائم ، واختلافهما طولا وقصرا - آيتين كونيتين كبيرتين ، دالتين على أن لهما صانعا قادرا ، حكيما ، هو اللَّه رب العالمين . وقوله - سبحانه - * ( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ) * أي : فجعلنا الآية التي هي الليل . ممحوة الضوء ، مظلمة الهيئة ، مختفية فيها الأشياء ، ساكنة فيها الحركات . وقوله - تعالى - : * ( وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) * أي : وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة ، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح وجلاء . وعلى هذا الاتجاه ، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه ، مع اختلاف اللفظ ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى ، كما في قوله - تعالى - شَهْرُ رَمَضانَ فرمضان هو نفس الشهر . وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الكلام على حذف مضاف ، وأن المراد بالآيتين : الشمس والقمر ، فيكون المعنى : وجعلنا نيرى الليل والنهار - وهما الشمس والقمر - آيتين دالتين على قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته ، فمحونا آية الليل - وهي القمر - ، بأن أزلنا عنه شعاعه وضياءه ، ولم نجعله كالشمس في ذلك ، وجعلنا آية النهار - وهي الشمس - مبصرة ، أي : ذات شعاع وضياء يبصر في ضوئها الشيء على حقيقته .

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 14 .