سيد محمد طنطاوي
302
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم ، جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء » « 1 » . وقول الإمام الرازي : « واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي . سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم » « 2 » . وقد بسطنا في تفسير هذه الآيات الكريمة ، بصورة أكثر تفصيلا في غير هذا المكان ، فليرجع إليه من شاء الاستزادة « 3 » . وبعد أن بين - سبحانه - أنه قد آتى موسى - عليه السلام - التوراة لتكون هداية لبنى إسرائيل ، وأنه - عز وجل - قد قضى فيهم بقضائه العادل . أتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 10 ] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين ، وهو الإسراء برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى - عليه السلام - ، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة اللَّه توجب كل خير وكرامة ، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى - سبحانه - على القرآن فقال : * ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * « 4 » . والفعل * ( يَهْدِي ) * مأخوذ من الهداية ، ومعناها : الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى البغية . والمفعول محذوف . أي : يهدى الناس .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير المجلد 5 ص 44 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 156 . ( 3 ) راجع كتابنا « بنو إسرائيل في القرآن والسنة » ج 2 من ص 347 إلى ص 396 . ( 4 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 160 .