سيد محمد طنطاوي

297

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . هذا ، والذي يراجع ما قاله المفسرون في بيان العباد الذين سلطهم اللَّه - تعالى - على بني إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثاني في الأرض ، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف « 1 » . ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى اللَّه عنهما - أن اللَّه - تعالى - عهد إلى بني إسرائيل في التوراة * ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) * فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث اللَّه عليهم ملك النبط ، وكان يدعى « صحابين » فبعث الجنود ، وكانوا من أهل فارس . . فتحصنت بنو إسرائيل . . ودخل فيهم « بختنصر » - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم . . إلخ « 2 » . وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالي ستة قرون . لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بني إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : الأولى في سنة 606 ق . م والثانية في سنة 599 ق . م ، والثالثة في سنة 588 ق . م . وفي هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل . أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذي تولى كفالة مريم أم عيسى . وإذا فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع « بختنصر » يتنافى مع الحقائق التاريخية . وفضلا عن ذلك ، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر ، لأن « صحابين » ملك النبط ، هو الذي يسميه المؤرخون « سنحاريب » وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذي غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق . م أي قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أي : أن بختنصر لم يكن معاصرا له . والرأي الذي نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم اللَّه على بني إسرائيل بعد إفسادهم

--> ( 1 ) ذكرنا معظم هذه الأقوال في كتابنا « بنو إسرائيل في القرآن والسنة » ج 2 ص 359 وناقشناها ، وضعفنا ما يستحق التضعيف منها ، ورجحنا ما يستحق الترجيح . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 16 ص 17 - بتصرف وتلخيص .