سيد محمد طنطاوي
277
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تكريمه لبنى آدم ، كما تصور أحوال الناس يوم القيامة ، وعدالة اللَّه - تعالى - في حكمه عليهم فتقول : وإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاه ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً . أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ ، أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا . . . ثم يقول - سبحانه - : ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ، وحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ، ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، وفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا . يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَه بِيَمِينِه فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . . . ( ط ) ثم تحكى السورة جانبا من نعم اللَّه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم حيث ثبته - سبحانه - أمام مكر أعدائه ، وأمره بالمداومة على الصلاة وعلى قراءة القرآن ، لأن ذلك يزيده ثباتا على ثباته ، وتكريما على تكريمه . قال - تعالى - : وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَه ، وإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . ( ى ) ثم يقول - سبحانه - : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً . ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً . وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ، واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً . . ( ك ) وبعد أن تقرر السورة الكريمة طبيعة الإنسان ، وتقرر أن الروح من أمر اللَّه - تعالى - تتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه المعجزة الخالدة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وبإيراد المطالب المتعنتة التي طالب المشركون بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم . استمع إلى القرآن الكريم وهو يقرر كل ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً . وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّه والْمَلائِكَةِ قَبِيلًا . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُه ، قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا .