سيد محمد طنطاوي
265
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى ما هو أسمى من مقابلة الشر بمثله فقال : * ( ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) * . والضمير في قوله * ( لَهُوَ ) * يعود إلى المصدر في قوله * ( صَبَرْتُمْ ) * ، والمصدر إما أن يراد به الجنس فيكون المعنى : ولئن صبرتم فالصبر خير للصابرين ، وأنتم منهم . وإما أن يراد به صبرهم الخاص فيكون المعنى : ولئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل ، لصبركم خير لكم ، فوضع - سبحانه - الصابرين موضع لكم على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم بصفة الصبر . هذا ، وقد ذكر جمع من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في أعقاب غزوة أحد ، بعد أن مثل المشركون بحمزة - رضى اللَّه عنه - . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : روى الحافظ البزار عن أبي هريرة - رضى اللَّه عنه - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد . فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه . وقد مثل المشركون به . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : رحمة اللَّه عليك ، لقد كنت وصولا للرحم ، فعولا للخيرات . واللَّه لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك اللَّه من بطون السباع . أما واللَّه لأمثلن بسبعين منهم مكانك . فنزلت هذه الآية . فكفر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن يمينه . ثم قال ابن كثير بعد روايته لهذا الحديث : وهذا إسناد فيه ضعف لأن أحد رواته وهو « صالح بن بشير المري » ضعيف عند الأئمة . وقال البخاري هو منكر الحديث . ثم قال ابن كثير - رحمه اللَّه - : وروى عبد اللَّه بن الإمام أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب ، قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فقال أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا اليوم من المشركين لنمثلن بهم ، فلما كان يوم الفتح قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم . فنادى مناد أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد أمن الأبيض والأسود إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم - ، فنزلت الآية . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « نصبر ولا نعاقب » « 1 » . والذي نراه أن الآية الكريمة - حتى ولو كان سبب نزولها ما ذكر - إلا أن التوجيهات التي
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 596 .