سيد محمد طنطاوي
263
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت أقوم طرق الدعوة إلى اللَّه - تعالى - وعينت أحكم وسائلها ، وأنجعها في هداية النفوس . إنها تأمر الدعاة في كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل اللَّه لا إلى سبيل غيره : إلى طريق الحق لا طريق الباطل ، وإنها تأمرهم - أيضا - أن يراعوا في دعوتهم أحوال الناس ، وطباعهم ، وسعة مداركهم ، وظروف حياتهم ، وتفاوت ثقافاتهم . وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذي تسعه عقولهم ، وبالأسلوب الذي يؤثر في نفوسهم ، وبالطريقة التي ترضى قلوبهم وعواطفهم . فمن لم يقنعه القول المحكم ، قد تقنعه الموعظة الحسنة ، ومن لم تقنعه الموعظة الحسنة . قد يقنعه الجدال بالتي هي أحسن . ولذلك كان من الواجب على الدعاة إلى الحق ، أن يتزودوا بجانب ثقافتهم الدينية الأصيلة الواسعة - بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ ، وطبائع الأفراد والأمم . . فإنه ليس شيء أنجع في الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم ، وتغذية هذه الطبائع والميول بما يشبعها من الزاد النافع ، وبما يجعلها تقبل على فعل الخير ، وتدبر عن فعل الشر . وكما أن أمراض الأجسام مختلفة ، ووسائل علاجها مختلفة - أيضا - ، فكذلك أمراض النفوس متنوعة ، ووسائل علاجها متباينة . فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة : ومنهم من يكون علاجه بالعبارة الرقيقة الرفيقة التي تهز المشاعر ، وتثير الوجدان ، ومنهم من يكون علاجه بالمحاورة والمناقشة والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن ، لأن النفس الإنسانية لها كبرياؤها وعنادها ، وقلما تتراجع عن الرأي الذي آمنت به . إلا بالمجادلة بالتي هي أحسن . والحق : أن الدعاة إلى اللَّه - تعالى - إذا فقهوا هذه الحقائق فتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم ، وأخلصوا للَّه - تعالى - القول والعمل ، وفطنوا إلى أنجع الأساليب في الدعوة إلى اللَّه ، وخاطبوا الناس على قدر عقولهم واستعدادهم . . نجحوا في دعوتهم ، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء . قال الآلوسي : وإنما تفاوتت طرق دعوته صلى اللَّه عليه وسلم لتفاوت مراتب الناس ، فمنهم خواص ، وهم أصحاب نفوس مشرقة ، قوية الاستعداد لإدراك المعاني ، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ، وهؤلاء يدعون بالحكمة . ومنهم عوام ، أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد ، شديدة الإلف بالمحسوسات ، قوية