سيد محمد طنطاوي
257
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولفظ * ( أُمَّةً ) * يطلق في اللغة بإطلاقات متعددة ، منها : الجماعة ، كما في قوله - تعالى - : ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْه أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ « 1 » أي : جماعة من الناس . . . ومنها : الدين والملة ، كما في قوله - تعالى - : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ . . « 2 » أي : على دين وملة . ومنها : الحين والزمان كما في قوله - سبحانه - : ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ « 3 » . أي : إلى زمان معين . . والمراد بقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً . . ) * أي : كان عنده من الخير ما كان عند أمة ، أي جماعة كثيرة من الناس ، وهذا التفسير مروى عن ابن عباس . وقال مجاهد : سمى - عليه السلام - أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما . وفي صحيح البخاري أنه قال لزوجته سارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك . ويصح أن يكون المراد بقوله - تعالى - : * ( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً . . ) * أي : كان إماما يقتدى به في وجوه الطاعات . وفي ألوان الخيرات ، وفي الأعمال الصالحات ، وفي إرشاد الناس إلى أنواع البر ، قال - تعالى - : وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّه بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . . « 4 » . ووصفه ثانيا - بأنه كان « قانتا للَّه » أي مطيعا للَّه ، خاضعا لأوامره ونواهيه ، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع . ووصفه - ثالثا - بأنه كان ، حنيفا ، أي : مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق . من الحنف بمعنى الميل والاعوجاج ، يقال : فلان برجله حنف أي اعوجاج وميل . ومنه قول أم الأحنف بن قيس وهي تداعبه : واللَّه لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله ووصفه - رابعا - بأنه منزه عن الإشراك باللَّه - تعالى - فقال : * ( ولَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * .
--> ( 1 ) سورة القصص الآية 23 . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 22 . ( 3 ) سورة هود الآية 8 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 124 .