سيد محمد طنطاوي
233
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بقوله - تعالى - : * ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ . . ) * أي فإذا أردت قراءته . فالكلام على حذف الإرادة ، وذلك لأن المعنى الذي طلبت من أجله الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارئ بها - أي بالاستعاذة - قبل القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية في حذف الإرادة لدلالة المقام عليها قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ . . « 1 » أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا . وقوله - تعالى - : وكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ « 2 » أي : أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا . والمعنى : فإذا أردت - أيها المسلم - قراءة القرآن * ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ) * أي : فاستجر باللَّه ، والتجئ إلى حماه * ( مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) * . قال ابن كثير : والشيطان في لغة العرب ، كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء ، وهو مشتق من شطن بمعنى بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير . . . » « 3 » . والرجيم بزنة فعيل بمعنى مفعول . أي : أنه مرجوم ومطرود من رحمة اللَّه - تعالى - . قال بعض العلماء : وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة ، مع أنه قد أمر بها على وجه العموم في جميع الشؤون ، لأن القرآن مصدر هداية ، والشيطان مصدر ضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، فيفوت عليه الانتفاع بهدى اللَّه وآياته . فعلمنا اللَّه - تعالى - أن نتقي ذلك كله بهذه الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صادق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب
--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 6 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 4 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 14 .