سيد محمد طنطاوي

218

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والموعظة للنفوس فقال - تعالى - : * ( ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ، وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * . والتبيان : مصدر يدل على التكثير . قالوا : ولم يجئ من المصادر على هذه الزنة إلا لفظان لفظ التبيان ، ولفظ التلقاء . أي : « ونزلنا عليك » - أيها الرسول الكريم - « الكتاب » الكامل الجامع وهو القرآن الكريم « تبيانا » . أي : بيانا بليغا شاملا « لكل شيء » على سبيل الإجمال تارة ، وعلى سبيل التفصيل تارة أخرى . وقوله : * ( وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * صفات أخرى للكتاب . أي : أنزلنا عليك القرآن ليكون تبيانا لكل شيء وليكون هداية للناس إلى طريق الحق والخير ، ورحمة لهم من العذاب ، وبشارة لمن أسلموا وجوههم للَّه - تعالى - وأحسنوا القول والعمل ، لا لغيرهم ممن آثروا الكفر على الإيمان ، والغىّ على الرشد . قال الجمل ما ملخصه : وقوله : * ( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) * أي بيانا بليغا ، فالتبيان أخص من مطلق البيان على القاعدة : أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . وهذا التبيان إما في نفس الكتاب ، أو بإحالته على السنة لقوله - تعالى - : . . . وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا . . . « 1 » ، أو بإحالته على الإجماع كما قال - تعالى - : ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَه الْهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى . . . « 2 » أو على القياس كما قال : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ والاعتبار : النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس . فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها ، وكلها مذكورة في القرآن ، فكان تبيانا لكل شيء فاندفع ما قيل : كيف قال اللَّه - تعالى - * ( ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) * ونحن نجد كثيرا من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصا ، كعدد ركعات الصلاة ، ومقدار حد الشرب ، ونصاب السرقة وغير ذلك . . . « 3 » . وبعد أن مدح - سبحانه - القرآن الكريم ، بأن فيه تبيان كل شيء ، وأنه هداية ورحمة وبشرى للمسلمين ، أتبع ذلك بآيات كريمة أمرت المسلمين بأمهات الفضائل ، وبجماع مكارم

--> ( 1 ) سورة الحشر الآية 7 . ( 2 ) سورة النساء الآية 115 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 593 .