سيد محمد طنطاوي
215
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تقليدا لآبائكم واستجابة لأهوائكم وشهواتكم ، وإيثارا للباطل على الحق وما رد به الشركاء على المشركين هنا ، قد جاء ما يشبهه في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : واتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا . كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا « 1 » . وقوله - تعالى - : وقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّه وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ووَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ، وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أَنْفُسَكُمْ . . « 2 » . قال القرطبي : وقوله - تعالى - : * ( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ . . . ) * أي : ألقت إليهم الآلهة القول ، أي : نطقت بتكذيب من عبدها . بأنها لم تكن آلهة ، ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق اللَّه الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار « 3 » . وقال الجمل : فإن قلت : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا ، ونفاه عنها في قوله - تعالى - في سورة الكهف : ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ . . . فالجواب : أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها ، والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافى « 4 » . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ . . . ) * يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء في قوله * ( فَأَلْقَوْا ) * واشتملت جملة « إنكم لكاذبون » على جملة من المؤكدات ، لإفحام المشركين ، وتكذيبهم في قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل . ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( وأَلْقَوْا إِلَى اللَّه يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) * . أي : وألقى المشركون يوم القيامة « السلم » أي : الاستسلام والخضوع والانقياد ، لقضاء اللَّه - تعالى - العادل فيهم ، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه في الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم ، أو ستنفعهم يوم القيامة .
--> ( 1 ) سورة مريم الآيتان 81 ، 82 . ( 2 ) سورة إبراهيم الآيات 22 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 163 . ( 4 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 592 .