سيد محمد طنطاوي
188
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( وأَوْحى ) * من الوحي ، وهو هنا بمعنى الإلهام ، وهو - كما يقول القرطبي - ما يخلقه اللَّه - تعالى - في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر . ومنه قوله - تعالى - : ونَفْسٍ وما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها ، وترك ما يضرها ، وتدبير معاشها . . « 1 » . وقال صاحب الكشاف : والإيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف في قلوبها على وجه هو أعلم به ، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه ، وإلا فتأنقها في صنعتها ولطفها في تدبير أمرها ، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن اللَّه - تعالى - أودعها علما بذلك وفطنها ، كما أودع أولى العقول عقولهم . . « 2 » . والخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة الإسلامية . والنحل : اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء ، ويطلق على الذكر والأنثى ، وسمى بذلك لأن اللَّه - تعالى - نحله أي منحه العسل الذي يخرج منه . وقوله - سبحانه - : * ( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ) * بيان لما ألهمه اللَّه النحل من أوامر . ولما كلفها به من أعمال . و « أن » مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإعراب ، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها في محل نصب على تقدير الجار . أي : بأن اتخذي . والمعنى : وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن فيها ، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها . يقال : عرش الشيء يعرشه - بكسر الراء وضمها - إذا رفعه عن الأرض ، ومنه العريش الذي صنع لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم بدر لمشاهدة سير المعركة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى « من » في قوله * ( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ) * ؟ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟ . قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل ، وكل شجر ، وكل ما يعرش ، ولا في كل مكان منها .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 133 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 618 .