سيد محمد طنطاوي
180
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فيكون المعنى : لا جرم أن لهم النار ، وأنهم مفرطون ومسرفون في الأقوال والأعمال التي جعلتهم حطبا لها ، ووقودا لنيرانها كما قال - تعالى - : وأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ « 1 » . ثم وجه - سبحانه - خطابا لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التسلية والتثبيت ، حيث بين له أن ما أصابه من مشركي قومه ، قد فعل ما يشبهه المشركون السابقون مع أنبيائهم ، فقال - تعالى - : * ( تَاللَّه لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ، ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . وقوله * ( فَزَيَّنَ ) * من التزيين وهو تصيير الشيء زينا ، أي : حسنا والزينة : هي ما في الشيء من محاسن ترغب الناس فيه . والمعنى : أقسم لك - أيها الرسول الكريم - بذاتى ، لقد أرسلنا رسلا كثيرين إلى أمم كثيرة من قبلك ، فكانت النتيجة أن استحوذ الشيطان على نفوس عامة هؤلاء المرسل إليهم ، حيث زين لهم الأفعال القبيحة ، وقبح لهم الأعمال الحسنة ، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف المكذب لأقوالهم ، المعرض عن إرشاداتهم ، المحارب لدعوتهم . وقوله - سبحانه - : * ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا . قال الإمام الشوكاني ما ملخصه : والمراد باليوم في قوله - تعالى - : * ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) * يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا - أي مدة أيام الدنيا - فيكون المعنى : فهو قرينهم في الدنيا . ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده . فيكون للحال الآتية . ويكون الولي بمعنى الناصر . والمراد نفى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه ، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا في الآخرة . ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا ، وهو على وجهين : الأول أن يراد البعض الذي مضى ، وهو الذي وقع فيه التزيين للأمم الماضية من الشيطان ، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية . . الثاني : أن يراد البعض الحاضر ، وهو وقت نزول الآية . والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش أعمالهم ، فيكون الضمير في « وليهم » لكفار قريش . فيكون المعنى : فهو ولى هؤلاء المشركين اليوم أي : معينهم على الكفر والمعاصي ولهم ولأمثالهم عذاب أليم في الآخرة » « 2 » .
--> ( 1 ) سورة غافر الآية 43 . ( 2 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 ص 173 .