سيد محمد طنطاوي

178

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بإنكارهم البعث وبجحود نعم اللَّه - تعالى - بل أضافوا إلى ذلك أنهم يثبتون له - سبحانه وينسبون إليه كذبا وزورا - ما يكرهونه لأنفسهم ، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في أموالهم أو في مناصبهم ومع ذلك يشركون مع اللَّه - تعالى - في العبادة آلهة أخرى ، ويكرهون أراذل الأموال ، ومع ذلك يجعلون للَّه - تعالى - أراذل أموالهم . ويجعلون لأصنامهم أكرمها ، ويكرهون البنات ، ومع ذلك ينسبونهن إليه - سبحانه - . فالجملة الكريمة تنعى عليهم أنانيتهم ، وسوء أدبهم مع خالقهم - عز وجل - وقوله - سبحانه - * ( وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى . . . ) * تصوير بليغ لما جبلوا عليه من كذب صريح ، وبهتان واضح . ومعنى : « تصف » تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل ، حتى لكأنها تذكر أوصاف الشيء ، وجملة « أن لهم الحسنى » بدل من « الكذب » . والحسنى : تأنيث الأحسن ، والمراد بها زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه ، كما كان لهم في الدنيا ذلك ، فقد روى أنهم قالوا : إن كان محمد صلى اللَّه عليه وسلم صادقا فيما يخبر عنه من أمر البعث ، فلنا الجنة . . . والمعنى : أن هؤلاء المشركين يجعلون للَّه - تعالى - ما يكرهونه من الأولاد والأموال والشركاء ، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقا واضحا صريحا إذ زعموا أنه إن كانت الآخرة حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب . . وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم في آيات متعددة منها قوله - تعالى - وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ « 1 » . وقوله - تعالى - : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَداً . . . « 2 » . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب ؟ قلت : هو من فصيح الكلام وبليغه . جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته . كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر « 3 » .

--> ( 1 ) سورة سبأ الآية 35 . ( 2 ) سورة مريم الآية 37 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 432 .