سيد محمد طنطاوي

151

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالحق هنا : الصدق الذي لا يتخلف ، والثابت الذي لا يتبدل . أي : وعدا صادقا ثابتا لا يقبل الخلف ، لأن البعث من مقتضيات حكمته - سبحانه - . والمراد بأكثر الناس : المشركون ومن كان على شاكلتهم في إنكار البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة . وفي التنصيص على أكثر الناس ، مدح للأقلية منهم ، الذين آمنوا بالبعث وبالآخرة وما فيها من حساب ، وهم المؤمنون الصادقون . هذا ، وقد حكى - سبحانه - مزاعم المشركين ورد عليها في آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ . . « 1 » . وقوله - تعالى - : وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَه ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - الحكمة من بعث الناس يوم القيامة ، فقال - تعالى - : * ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه ، ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) * . واللام في قوله « ليبين لهم . . » وفي قوله « وليعلم . . » متعلقة بما دل عليه حرف « بلى » وهو يبعثهم . أي : بلى يبعث اللَّه - تعالى - الموتى ، ليظهر لهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره ، وليعلم الذين كفروا علم مشاهدة ومعاينة ، أنهم كانوا كاذبين في قسمهم أن اللَّه - تعالى - لا يبعث من يموت ، وفي غير ذلك من أقوالهم الباطلة . وفي إظهار الحق ، وفي بيان كذبهم يوم البعث ، حسرة وندامة لهم ، حيث ظهر لهم ما أنكروه في الدنيا ، وما كانوا يستهزئون به ، عندما كان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدعونهم إلى نبذ الشرك ، وإلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده . فالآية الكريمة قد بينت حكمتين لبعث الناس للحساب يوم القيامة ، الأولى إظهار ما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره مما جاءتهم به الرسل . والثانية : إظهار كذب الكافرين الذين أنكروا البعث واستهزؤا بمن دعاهم إلى الإيمان به .

--> ( 1 ) سورة التغابن الآية 7 . ( 2 ) سورة يس الآية 78 ، 79 .