سيد محمد طنطاوي

137

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أو بدل منه ، أو بيان له ، والنصب والرفع على القطع للذم . وجوز بعضهم كونه مرتفعا بالابتداء ، وجملة « فألقوا » خبره . . » « 1 » . والمراد بالملائكة : عزرائيل ومن معه من الملائكة . والمراد بظلمهم لأنفسهم : إشراكهم مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة . أي : إن أشد أنواع الخزي والعذاب يوم القيامة على الكافرين ، الذين تنتزع الملائكة أرواحهم من أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن يتوبوا منهما ، أو يقلعوا عنهما . وقوله : « ظالمي أنفسهم » حال من مفعول تتوفاهم . وفي وصف هؤلاء الكافرين بكونهم « ظالمي أنفسهم » إشعار إلى أن الملائكة تنتزع أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة ، ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ولَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ . . . « 2 » . وقوله « فألقوا السلم » بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع في الآخرة ، بعد أن كانوا مغترين متجبرين في الدنيا . وأصل الإلقاء يكون في الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع والطاعة ، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه ، بدون أية مقاومة أو حركة . والمراد بالسلم : الاستسلام والاستكانة . أي : أنهم عندما عاينوا الموت ، وتجلت لهم الحقائق يوم القيامة ، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا ، وقالوا : ما كنا في الدنيا نعمل عملا سيئا ، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم . وقد حكى اللَّه - تعالى - عنهم في آيات أخرى ما يشبه هذا القول ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . وقوله - سبحانه - * ( بَلى إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * تكذيب لهم في دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ « بلى » لإبطال ما نفوه . أي : بلى كنتم تعملون السوء ، لأن اللَّه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ،

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 128 . ( 2 ) سورة الأنفال الآية 50 .