سيد محمد طنطاوي
134
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
رؤسهم ، أمام قوة اللَّه - تعالى - التي لا ترد ، فإذا بالبناء الذي بنوه ليحتموا به ، قد صار مقبرة لهم . وصدق اللَّه إذ يقول : ومَكَرُوا مَكْراً ، ومَكَرْنا مَكْراً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا ، إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - : * ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) * مع أن السقف لا يكون إلا من فوق ، لتأكيد الكلام وتقويته . وقال القرطبي : قال ابن الأعرابي : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته ، والعرب تقول : خر علينا سقف ، ووقع علينا حائط ، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه . فجاء بقوله : « من فوقهم » ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب ، فقال : « من فوقهم » أي : عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا . . » « 2 » . هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل ، الفخر الرازي . فقد قال : وفي قوله - سبحانه - * ( فَأَتَى اللَّه بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) * قولان : الأول : أن هذا محض التمثيل . والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء اللَّه ، فجعل اللَّه - تعالى - حالهم في تلك الحيل ، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين ، فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم ، ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه اللَّه فيه . - ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم ، صار سبب استئصالهم وفنائهم . الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أن اللَّه - تعالى - أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته . والأول أقرب إلى المعنى « 3 » . ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته ، الإمام ابن جرير فقد قال - بعد أن سرد بعض الأقوال - : وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك ، تساقطت
--> ( 1 ) سورة النمل الآيات 50 ، 51 ، 52 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 97 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 20 .