سيد محمد طنطاوي
132
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
واقتداء أولئك بهم ، كما جاء في الحديث : « من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا » . كما قال - تعالى - : ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ، ولَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ « 1 » . فهذه الآية وأمثالها ، لا تعارض بينها وبين قوله - تعالى - ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 2 » . لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم ، بل تسببوا في إضلال غيرهم ، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ ، الذي هو فعل من أفعالهم القبيحة . وقوله « بغير علم » في موضع الحال من الضمير المنصوب في قوله « يضلونهم » . أي : يضلون ناسا لا علم عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل ، وفي ذلك ما فيه من مدح أهل العلم والتفكير ، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر ، يستطيعون إضلال من لا علم عنده ، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم . قالوا : واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث ، وأن يميز بين الحق والباطل ، ولا يعذر بسبب جهله . وقيل : إن قوله « بغير علم » في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله « يضلونهم » . أي : هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب ، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) * . قال الجمل : و « ساء » فعل ماض لإنشاء الذم بمعنى بئس ، و « ما » تمييز بمعنى شيئا ، أو فاعل بساء ، و « يزرون » صفة لما والعائد محذوف ، أو « ما » اسم موصول ، وقوله « يزرون » صلة الموصول ، والعائد محذوف أي : يزرونه ، والمخصوص بالذم محذوف » « 3 » . والتقدير : بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم وافتتحت
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 484 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 164 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 566 .