سيد محمد طنطاوي

127

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - الأسباب التي جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى ، فقال - تعالى - : * ( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) * . أي : فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق ، جاحدة لنعم اللَّه ، منصرفة عن وحدانية اللَّه - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها ، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون ، لا يستمعون إلى موعظة واعظ ، ولا إلى إرشاد مرشد . ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار - ، حالفه البوار والخسران ، وآثر سبيل الغي على سبيل الرشد . والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته « فالذين لا يؤمنون بالآخرة . . » دون التصريح بذواتهم ، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة ، وللإيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة ، هو أساس خيبتهم ، وخسرانهم وجحودهم . . . وعبر بالجملة الاسمية في قوله « قلوبهم منكرة وهم مستكبرون » للدلالة على تأصل صفتي الجحود والاستكبار في قلوبهم ، وعلى أن الإنكار للحق سمة من سماتهم التي لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها ، وعلى أن التعالي والغرور لا ينفك عنهم ، وأنهم ممن قال - سبحانه - فيهم : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ « 1 » . أي : صاغرين أذلاء . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم ، فقال : * ( لا جَرَمَ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ، إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) * . وكلمة « لا جرم » وردت في القرآن في خمسة مواضع ، وفي كل موضع كانت متلوة بأن واسمها ، وليس بعدها فعل . وجمهور النحاة على أنها مركبة من « لا » و « جرم » تركيب خمسة عشر ومعناها بعد التركيب معنى الفعل : حق وثبت ، والجملة بعدها فاعل . قال الخليل : لا جرم ، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون .

--> ( 1 ) سورة غافر . الآية 60 .