سيد محمد طنطاوي

11

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الصحاح : يقال : « بان الشيء يبين بيانا ، أي اتضح ، فهو بين وكذا أبان الشيء فهو مبين . . . » . والمعنى : تلك - أيها الناس - آيات بينات من الكتاب الكامل في جنسه ، ومن القرآن العظيم الشأن ، الواضح في حكمه وأحكامه ، المبين في هدايته وإعجازه فأقبلوا عليها بالحفظ لها ، وبالعمل بتوجيهاتها ، لتنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم . قال الآلوسي : وفي جمع وصفي الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه ، حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها ، وبالثاني إلى كونه ممتازا عن غيره ، نسيجا وحده ، بديعا في بابه ، خارجا عن دائرة البيان ، قرآنا غير ذي عوج . . » « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم في وقت لا ينفع فيه الندم ، فقال - تعالى - : * ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) * . قال الشوكاني ما ملخصه : قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من * ( رُبَما ) * ، وقرأ الباقون بتشديدها . . وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير . قال الكوفيون : أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين . وقيل : هي هنا للتقليل ، لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب . . . » « 2 » . وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين فقال : من قال بأن * ( رُبَما ) * هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا مؤمنين ، ومن قال بأنها للتقليل نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب بالنسبة إلى زمان دهشتهم منه ، وهذا لا ينافي أن التمني يقع كثيرا منهم في زمن إفاقتهم القليل ، فلا تخالف بين القولين « 3 » . والمعنى : ود الذين كفروا عندما تنكشف لهم الحقائق . فيعرفون أنهم على الباطل ، وأن المؤمنين على الحق ، أن لو كانوا مسلمين ، حتى ينجوا من الخزي والعقاب .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 3 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 3 ص 121 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين بتصرف قليل ج 2 ص 537 .