سيد محمد طنطاوي

114

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : يخرج لكم من الأرض ، بسبب الماء الذي أنزله عليها من السماء « الزرع » الذي هو أصل أغذيتكم ، وعماد معاشكم ، كالقمح والشعير وغيرهما « والزيتون » الذي تستعملونه إداما في أغذيتكم « والنخيل والأعناب » اللذين فيهما الكثير من الفوائد ، ومن التلذذ عند أكل ثمارهما . وأخرج لكم - أيضا - بسبب هذا الماء « من كل الثمرات » التي تشتهونها وتنتفعون بها ، والتي تختلف في أنواعها ، وفي مذاقها ، وفي روائحها ، وفي ألوانها ، مع أن الماء الذي سقيت به واحد ، والأرض التي نبتت فيها متجاورة . ولا شك أن في هذا الإنبات بتلك الطريقة ، أكبر دليل على قدرة اللَّه - تعالى - . لأنه لا يقدر على ذلك سواء - سبحانه - . وأسند - سبحانه - الإنبات إليه فقال : « ينبت لكم به . . . » لأنه الفاعل الحقيقي لهذا الإنبات والإخراج للزروع من الأرض : أما غيره - سبحانه - فيلقى الحب في الأرض ، ويرجو الثمار والإنبات منه - عز وجل - . قال - تعالى : أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناه حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - : وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ، وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ، ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 2 » . وقال - عز وجل - : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ، وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَنْبَتْنا بِه حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِله مَعَ اللَّه ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ « 3 » . وختم - سبحانه - الآية بقوله * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * للحض على التفكر والتأمل في عظيم قدرته - سبحانه - حتى يصل المتأمل إلى إخلاص العبادة له - عز وجل . أي : إن في ذلك المذكور ، من إنزال الماء من السماء ، وإنبات الزروع والثمار بسببه ، لآية

--> ( 1 ) سورة الواقعة الآيات 63 - 70 . ( 2 ) سورة الرعد الآية 4 . ( 3 ) سورة النمل الآية 60 .