سيد محمد طنطاوي
107
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقدم - سبحانه - الإراحة على التسريح ، لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج ، حيث تقبل من مسارحها وقد امتلأت بطونها ، وحفلت ضروعها ، وازدانت مشيتها . وقال - سبحانه - : * ( حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ) * . بالفعل المضارع ، لإفادة التجديد والتكرار ، وفي ذلك ما يزيد السرور بها ، ويحمل على شكر اللَّه - تعالى - على وافر نعمه . قال صاحب الكشاف : « منّ اللَّه بالتجمل بها ، كما منّ بالانتفاع بها لأنه من أغراض أصحاب المواشي . بل هو من معاظمها لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي ، وسرحوها بالغداة فزينت إراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، آنست أهلها ، وفرحت أربابها . وأجلتهم في عيون الناظرين إليها ، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس . فإن قلت : لم قدمت الإراحة على التسريح - مع تأخر الإراحة في الوجود ؟ . قلت : لأن الجمال في الإراحة أظهر ، إذا أقبلت ملأى البطون ، حافلة الضروع ، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها » « 1 » . ثم بين - سبحانه - منفعة ثالثة من منافع الأنعام ، التي سخرها اللَّه - تعالى - للإنسان فقال : * ( وتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيه إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * . والضمير في قوله « وتحمل » يعود إلى الإبل خاصة ، لأنها هي التي يحمل عليها . والأثقال : جمع ثقل . وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره . والمراد بالبلد جنسه ولأن الارتحال قد يكون إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما . والشق - بالكسر - المشقة : ومن كل شيء نصفه ، والباء للملابسة . أي : إلا بمشقة شديدة ، كأن نفوسكم قد ذهب نصفها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة التي لم تستخدموا فيها الأنعام . قال القرطبي : وشق الأنفس : مشقتها وغاية جهدها . وقراءة العامة بكسر الشين . قال المهدوى : وكسر الشين وفتحها في « شق » متقاربان . وهما بمعنى المشقة . وقرأ أبو جعفر « إلا بشق الأنفس » - بفتح الشين - وهما لغتان مثل رق ورق . والشق - أيضا - بالكسر - النصف . وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى . أي : لم
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 397 .