سيد محمد طنطاوي
104
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
خَلَقَ ، ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ، سُبْحانَ اللَّه عَمَّا يَصِفُونَ « 1 » . وقد صدر - سبحانه - هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، بخلق السماوات والأرض ، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما ، ولأنهما حاويتان لما لا يحصى من مخلوقاته - سبحانه - . قال - تعالى - : لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق الإنسان فقال : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * . والمراد بالإنسان هنا جنس الإنسان . وأصل النطفة : الماء الصافي . أو الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة ، وجمعها : نطف ونطاف . يقال : نطفت القربة إذا قطرت ، أي سال منها الماء وتقاطر . والمراد بالنطفة هنا : المنى الذي هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة . والخصيم : الكثير الخصام لغيره ، فهو صيغة مبالغة . يقال : خصم الرجل يخصم - من باب تعب - إذا أحكم الخصومة ، فهو خصم وخصيم . والمبين . المظهر للحجة ، المفصح عما يريده بألوان من طريق البيان . أي : خلق - سبحانه - الإنسان . من منىّ يمنى ، أو من ماء مهين خلقا عجيبا في أطوار مختلفة ، لا يجهلها عاقل ، ثم أخرجه بقدرته من بطن أمه إلى ضياء الدنيا ، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل . حتى إذا ما وصل هذا الإنسان إلى تلك المرحلة التي يجب معها الشكر للَّه - تعالى - الذي رباه ورعاه ، إذا به ينسى خالقه ، ويجحد نعمه ، وينكر شريعته ، ويكذب رسله ويخاصم ويجادل بلسان فصيح من بعثه اللَّه - تعالى - لهدايته وإرشاده ، ويقول - كما حكى القرآن عنه - : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . . . وإذا في قوله - سبحانه - * ( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * . هي التي تسمى بإذا الفجائية التي يؤتى بها لمعنى ترتب الشيء ، على غير ما يظن أن يترتب عليه .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، الآية 91 . ( 2 ) سورة غافر ، الآية 57 .