سيد محمد طنطاوي

100

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

افتتحت السورة الكريمة ، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث ، وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب ، ويستبعدون نصر اللَّه - تعالى - لأوليائه ، فقال - تعالى - : * ( أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه ) * والفعل « أتى » هنا ، بمعنى قرب ودنا بدليل « فلا تستعجلوه » ، لأن المنهي عن الاستعجال يقتضى أن الأمر الذي استعجل حصوله لم يحدث بعد . والمراد بأمر اللَّه : ما اقتضته سنته وحكمته - سبحانه - من إثابة المؤمنين ونصرهم ، وتعذيب الكافرين ودحرهم . والفاء في قوله « فلا تستعجلوه » للتفريع . والاستعجال : طلب حصول الشيء قبل وقته . والضمير المنصوب في « تستعجلوه » يعود على « أمر اللَّه » ، لأنه هو المتحدث عنه ، أو على « اللَّه » - تعالى - ، فلا تستعجلوا اللَّه فيما قضاه وقدره . والمعنى : قرب ودنا مجيء أمر اللَّه - تعالى - وهو إكرام المؤمنين بالنصر والثواب ، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب ، فلا تستعجلوا - أيها المشركون - هذا الأمر ، فإنه آت لا ريب فيه ، ولكن في الوقت الذي يحدده اللَّه تعالى - ويشاؤه . وعبر عن قرب إتيان أمر اللَّه - تعالى - بالفعل الماضي « أتى » للإشعار بتحقق هذا الإتيان ، وللتنويه بصدق المخبر به ، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب ، قد صار في حكم الواقع فعلا . وفي إبهام أمر اللَّه ، إشارة إلى تهويله وتعظيمه ، لإضافته إلى من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . قوله « فلا تستعجلوه » زيادة في الإنذار والتهديد ، أي : فلا جدوى من استعجالكم ، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا . والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين ، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون قيام الساعة ، ويستعجلون نزول العذاب بهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات : منها قوله - تعالى - : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ، والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ « 1 » . ومنها قوله - سبحانه - : ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه . وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الشورى . الآية 18 . ( 2 ) سورة الحج . الآية 47 .