سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة . هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين : الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي استأثر اللَّه بعلمه . وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - في إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان الثوري ، وغيرهم من العلماء . فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور . ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وعن علي - رضى اللَّه عنه - قال : « إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي » وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : « سر اللَّه فلا تطلبوه » . ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها . وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل السور . أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر اللَّه بعلمه . وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي : 1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم « من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح » . وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة « ص » وسورة « يس » . ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .