سيد محمد طنطاوي

9

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واللَّه يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ ، ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّه مِنْ عاصِمٍ ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . ثم تأمر السورة الكريمة النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يسأل المشركين بأسلوب توبيخي عمن يرزقهم من السماوات والأرض ، وعمن يبدأ الخلق ثم يعيده ، وعمن يهدى إلى الحق ، فتقول : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصارَ ، ومَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، ويُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، ومَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ، فَسَيَقُولُونَ اللَّه ، فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ . فَذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ . وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم . وتعلن عن عجزهم على رؤس الأشهاد ، تأخذ في تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وفي تصوير جانب من أحوالهم في حياتهم وبعد مماتهم فتقول : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِه ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ . ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِه ومِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِه ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ . وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . . . ثم نراها في الربع الرابع توجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى الإقبال على ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من مواعظ فيها الشفاء لما في الصدور ، وفيها الهداية لما في النفوس فتقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وبِرَحْمَتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . ثم تسوق جانبا من مظاهر قدرة اللَّه النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، فتقول : وما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وما تَتْلُوا مِنْه مِنْ قُرْآنٍ ، ولا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيه ، وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ، ولا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ ولا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . وفي مطلع الربع الخامس منها تحكى لنا جانبا من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وكيف أنه نصحهم ، وذكرهم بآيات اللَّه ، ولكنهم لم يستمعوا إليه ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال - تعالى - :