سيد محمد طنطاوي
7
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
صلى اللَّه عليه وسلم بإعلان الدعوة والصدع بها ، هو سورة « الأنعام » فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاصلة « 1 » . وبذلك يتبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ومعتقدات يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التي كانت تجتازها الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت . 3 - أين نزلت سورة الأنعام : يرى جمهور العلماء أن سورة الأنعام كلها مكية ، ويرى فريق منهم أنها كلها نزلت بمكة ما عدا الآيات 20 ، 23 ، 91 ، 93 ، 104 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 . ولعل الذي حمل أصحاب هذا الرأي على القول بأن هذه الآيات التسع مدنية ورود بعض الروايات بذلك ، وأنها آيات نزلت في بيان أحكام تتعلق بالحلال والحرام من التكاليف العملية ، وهي لهذا كانت أنسب بالمدينة . والذي تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد نزلت كلها بمكة جملة واحدة ، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتي : ( أ ) كثرة الآثار التي صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة ، ومن هذه الآثار ما ورد عن ابن عباس أنه قال : لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح . وعن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : نزلت على سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد « 2 » . ( ب ) المحققون من المفسرين عندما بدؤا في تفسير سورة الأنعام صرحوا بأنها جميعها مكية ، وأنها قد نزلت جملة واحدة ، وتجاهلوا قول القائل إن فيها آيات مدنية . فهذا - مثلا - الإمام ابن كثير ساق في مطلع تفسيره لهذه السورة الروايات التي تثبت أنها مكية ، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آيات قد نزلت بالمدينة . وابن كثير - كما نعرف - من الحفاظ النقاد الذين يعرفون كيف يتخيرون الروايات ، وكيف يميزون بين صحيحها وضعيفها . ( ج ) الروايات التي اعتمد عليها القائلون بأن تلك الآيات التسع مدنية روايات فيها
--> ( 1 ) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص 16 لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد المدني - رحمه اللَّه - ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 122 .