سيد محمد طنطاوي
5
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سورة الأنعام تمهيد بين يدي السورة 1 - متى نزلت سورة الأنعام ؟ سورة الأنعام عدد آياتها خمس وستون ومائة آية وهي أول سورة مكية من طوال المفصل بالنسبة لترتيب المصحف ، وتعتبر بالنسبة لهذا الترتيب السورة السادسة ، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، وهي سور مدنية باستثناء سورة الفاتحة . أما ترتيبها في النزول فقد قال العلماء : إنها السورة السادسة والخمسون ، وإن نزولها كان بعد نزول سورة « الحجر » . ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان في السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة ، وذلك لأن سورة الحجر التي نزلت قبلها فيها آية تأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن يجهر بدعوته وهي قوله - تعالى - فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . ومن المعروف تاريخيا أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم مكث يدعو الناس سرا إلى عبادة اللَّه زهاء ثلاث سنين ، ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمره اللَّه بأن يصدع بما يؤمر به ، أي : يجهر بما يكلف بتبليغه للناس ، مأخوذ من صدع بالحجة إذا جهر بها . قال ابن إسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الإسلامية : « ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ، ثم إن اللَّه - تعالى - أمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادى الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ، وكان بين ما أخفى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره اللَّه - تعالى - بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه ، ثم قال اللَّه - تعالى - له : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 2 » . 2 - طبيعة الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام : قلنا إن سورة الأنعام نزلت - غالبا في السنة الرابعة من البعثة النبوية ، وهذه الفترة من تاريخ الدعوة الإسلامية كانت فترة نضال فكرى عنيف بين الإسلام والشرك ، ففيها بدأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم يجهر بدعوته ويصارح قريشا برسالته ، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الإيمان باللَّه وملائكته
--> ( 1 ) سورة الحجر الآية : 94 . ( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام ، ج 1 ص 274 طبعة المكتبة التجارية .