سيد محمد طنطاوي
94
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وتعميم إرادة الإهلاك للكل - مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح - لتهويل الخطب ، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره - تعالى - وملكوته . لا يقدر أحد على دفع ما أريد به . فضلا عن دفع ما أريد بغيره . وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك ، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز ، وعدم استحقاق الألوهية » « 1 » . وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف ، لزيادة تأكيد عجز المسيح ، وأنه هو وأمه عبدان من عباد اللَّه لا يقدران على رفع الهلاك عنهما . وعطف عليهما قوله * ( ومَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * من باب عطف العام على الخاص ، ليكونا قد ذكرا مرتين . مرة بالنص عليهما . ومرة بالاندراج في العام ، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإرادة فيهما . وقوله * ( ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما ) * تأكيد لاختصاص الألوهية به - تعالى - إثر بيان انتفائها عما سواه . أي : وللَّه - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع . أو يشاركه مشارك ، ملك جميع الموجودات ، والتصرف المطلق فيها ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة . فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها ، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه السحب بأمره ، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته . وما المسيح وأمه إلا من جملة ما في الأرض ، فهما عبدان من عباد اللَّه يدينان له - سبحانه - بالعبادة والطاعة والخضوع . وقال - سبحانه - * ( وما بَيْنَهُما ) * ولم يقل وما بينهن مع أن السماوات بلفظ الجمع ، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان . أي : وللَّه - تعالى - وحده ملك السماوات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة اللَّه وقدرته . وقوله * ( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) * جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح لولادته من غير أب ، وإحيائه الموتى ، وإبرائه الأكمه والأبرص ، كل ذلك بإذن اللَّه . أي أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي يريدها تبعا لمشيئته وإرادته .
--> ( 1 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 17 طبعة صبيح .