سيد محمد طنطاوي
86
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
جمع نصران كندامى جمع ندمان ، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب . وقد صارت كلمة نصراني لكل من اعتنق المسيحية . وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم . أو نسبة إلى بلدة الناصرة التي فيها نشأ عيسى - عليه السلام - وأعلن دعوته للناس . والمعنى : وكما أخذنا على بني إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا اللَّه وحده ويطيعوا أنبياءه ، ويستجيبوا لمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي بشرت به الكتب السماوية ، فقد أخذنا - أيضا - من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك ، ولكنهم كان شأنهم في الكفر ونقض العهود كشأن اليهود ، إذ ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى قدرا كبيرا ، ونصيبا عظيما مما ذكروا به على لسان عيسى عليه السلام - فقد أمرهم بتوحيد اللَّه ، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ودعاهم إلى الإيمان به ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان ، فكان دأبهم كدأب بني إسرائيل في العناد والضلال . ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : * ( ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) * ولم يقل : « ومن النصارى » للإشارة إلى أن ادعاءهم النصرانية وهي الدين الذي جاء به عيسى . إنما هو قول يقولونه بأفواههم دون أن يتبعوه بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقا لما جاء به عيسى عليه السلام - لأقروا للَّه - تعالى - بالوحدانية ولآمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي بشر به عيسى - عليه السلام - . وإلى هذا المعنى أشار - صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فهلا قيل : ومن النصارى ؟ قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة اللَّه ، وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار اللَّه . ثم اختلفوا بعد : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية ، أنصارا للشيطان » « 1 » . وقوله - تعالى : * ( ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ) * بيان لما حدث منهم بعد أخذ الميثاق . أي : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا اللَّه وحده ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل تركوا نصيبا كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم . والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصد ، لأن الناسي حقيقة لا يؤاخذه اللَّه - تعالى - : والإتيان بالفاء في قوله : * ( فَنَسُوا ) * للإشارة إلى أن تركهم لما أخذ عليهم من ميثاق ، كان عن تعجل وعدم تمهل بسبب استيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم . والتنكير في قوله تعالى : * ( حَظًّا ) * للتهويل والتكثير . أي تركوا نصيبا كبيرا مما أمرتهم به
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 616 طبعة دار الكتاب العربي ببيروت