سيد محمد طنطاوي

84

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( خائِنَةٍ ) * صفة لموصوف محذوف أي على فرقة خائنة أو طائفة . والمعنى : ولا تزال - أيها الرسول الكريم - ترى في هؤلاء اليهود المعاصرين لك صورة السابقين في الغدر والخيانة . وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم ، وغدرهم ونقضهم لعهودهم . إلا قليلا منهم دخلوا في الإسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها . وفي هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما لقيه من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة . فكأن اللَّه - تعالى - يقول له إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئا مستبعدا ، بل هو طبيعة فيهم ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد : وفيها - أيضا - تحذير له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من شرورهم ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين فإن التعبير بقوله * ( ولا تَزالُ ) * المفيد للدوام والاستمرار يدل على استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم وقوله : * ( إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) * استثناء من الضمير المجرور في قوله * ( خائِنَةٍ مِنْهُمْ ) * والمراد بهذا العدد القليل منهم ، أولئك الذين دخلوا في الإسلام ، واتبعوا الحق كعبد اللَّه بن سلام وأمثاله . ثم ختم سبحانه - الآية بقوله : * ( فَاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * والعفو عدم مقابلة الإساءة بمثلها . والصفح : ترك اللوم والمعاتبة . ولذا قالوا : الصفح أعلى رتبة من العفو ، لأن العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا . أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية واعتبار الإساءة كأن لم تكن في الظاهر والباطن . وللعلماء أقوال في المراد بالذين أمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالعفو والصفح عنه : 1 - فيرى بعضهم أن المراد بهم ، القلة اليهودية التي أسلمت ، واستثناها اللَّه بقوله * ( إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) * وهذا الرأي مردود بأنهم ما داموا قد آمنوا ، فقد عصموا دماءهم وأموالهم ، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع . 2 - ويرى آخرون أن الذين أمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالعفو والصفح عنهم هم كافة اليهود ، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهي قوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّه ورَسُولُه ، ولا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ « 1 » وهذا الرأي ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين وهو غير متعذر - كما سنبين .

--> ( 1 ) سورة التوبة آية 29