سيد محمد طنطاوي

79

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وضمينهم وعريفهم ، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع . قال الآلوسي . والنقيب : قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم . قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل : ويقول : فلان حسن النقيبة . أي : جميل الخليقة ، ويقال : فلان نقاب للعالم بالأشياء ، الذكي القلب ، الكثير البحث عن الأمور « 1 » . والمعنى : ولقد أخذ اللَّه العهود المؤكدة على بني إسرائيل . لكي يعملوا بما كلفهم من تكاليف ، وأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يختار متهم اثنى عشر نقيبا . وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكي يطلعوا على أحوال ساكنيها ، ثم يخبروا نبيهم موسى - عليه السلام - بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم . وسنفصل القول في شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله - تعالى - بعد ذلك وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ ، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً . وأكد - سبحانه - ما أخذه على بني إسرائيل من عهود بقد وباللام ، للاهتمام بشأن هذا الخبر ، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع اللَّه - تعالى - حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم . وأسند - سبحانه - الأخذ إليه ، لأنه هو الذي أمر به موسى - عليه السلام - ولأن في إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - زيادة في توثيقه ، وتعظيم توكيده وأي عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب ؟ وفي قوله : * ( وبَعَثْنا ) * التفات إلى المتكلم العظيم - سبحانه - لتهويل شأن هذا الابتعاث ، لأن اللَّه - تعالى - هو الذي أمر به . وإنما اختار موسى - عليه السلام - اثنى عشر نقيبا من بني إسرائيل لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا ، كما قال - تعالى - وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً « 2 » ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التي هو منها يذكرها بالفضائل ويرغبها في اتباع موسى - عليه السلام - وينهاها عن معصيته .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 85 ( 2 ) سورة الأعراف الآية 160 .