سيد محمد طنطاوي
63
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس . أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة ، وإما مرتين أو ثلاثا . على اختلاف رواياتهم . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم توضأ فغسل قدميه ثم قال : « هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به » . وعن جابر بن عبد اللَّه قال : رأى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال : « ويل للأعقاب من النار » . ثم قال ابن كثير : ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة . وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما ، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه ، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل . بل يجرى فيه ما يجرى في مسح الخف « 1 » . ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله * ( وأَرْجُلَكُمْ ) * محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرؤس المجرورة ، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف في الماء . فقد قال : فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح ؟ قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها : فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه ، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها . وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله : لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفى الغليل . والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو ، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم ، كقوله : متقلدا سيفا ورمحا . وعلفتها تبنا وماء باردا . ونظائره كثيرة . ثم يقال : ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب ؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة ؟ فيقال : فائدته الإيجاز والاختصار . وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا : واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد ، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح ، ونبه بهذا التشريك - الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا . على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح . وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود » « 2 » . هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 26 ( 2 ) تفسير الكشاف وحاشيته ج 1 ص 610