سيد محمد طنطاوي

58

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية . فقوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ طلب اللَّه - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية . فكأنما قيل : يا إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال - تعالى - : نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم . معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح . وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية . ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) * « 1 » . والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها ، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب ، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال في أدائها . وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وهذا باطل بالإجماع . وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك ، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها . قال الآلوسي ما ملخصه : وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * من غير اختصاص بالمحدثين . لكن الإجماع على خلاف ذلك ، فقد أخرج مسلم وغيره أن النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد . فقال له عمر : يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه . فقال صلى اللَّه عليه وسلَّم : « عمدا فعلته يا عمر » . يعنى : بيانا للجواز . فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة ، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 150