سيد محمد طنطاوي
45
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
5 - استدل بعضهم بقوله - تعالى - * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * على نفى القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضى أنه نص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقي بعض لم يبين حكمه لم يكن الدين كاملا . وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون اللَّه - تعالى - قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر اللَّه بالقياس ، وتعبد المكلفين به بمثل قوله - تعالى - فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ . فكان هذا مع النصوص الصريحة بيانا لكل أحكام الوقائع ، غاية الأمر أن الوقائع صارت قسمين : قسما نص اللَّه على حكمه ، وقسما أرشد اللَّه - تعالى - إلى أنه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول . فلم تصلح الآية متمسكا لهم « 1 » . 6 - الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإسلامية فقد بشرتهم - أولا - بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم في إبطال أمر الإسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التي كتب اللَّه لها البقاء . وها نحن أولا . نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم في معارك حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ومبادئه . بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها ولقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال في خطبة حجة الوداع : « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه رضى بالتحريش بينهم » . وبشرتهم - ثانيا - بإكمال هذا الدين ، فأنت ترى نصوصه وافية بكل ما يحتاج إليه البشر ، إما بالنص على كل مسألة يحتاجون إليها ، أو باندراج هذه المسألة أو المسائل تحت العمومات الشاملة والمبادئ الكلية التي جاء بها دين الإسلام المكتمل في عقائده وفي تشريعاته وفي آدابه ، وفي غير ذلك مما يسعد الإنسان . وبشرتهم - ثالثا - بإتمام نعمة اللَّه عليهم . وأي نعمة أتم على المؤمنين من إخراج اللَّه إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم في الأرض واستخلافهم فيها ، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا في ضعف من أمرهم وفساد في أحوالهم . وبشرتهم - رابعا - بأن اللَّه قد اختار لهم الإسلام دينا ، وجعله هو الدين المرضى عنده وهو الذي يجب على الناس أن يدخلوا فيه ، وأن يعملوا بأوامره ونواهيه ، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذي اختاره اللَّه وارتضاه ليختاره لنفسه طريقا من نزغات نفسه وهواه .
--> ( 1 ) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 164 للأستاذ الشيخ محمد على السائس .