سيد محمد طنطاوي

41

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته ، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب ، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصا عما كان عند اللَّه أنه ملحقه به ، وضامه إليه . . وهكذا شرائع الإسلام شرعها اللَّه شيئا فشيئا إلى أن أنهى - سبحانه وتعالى - الدين منتهاه الذي كان له عنده . وثانيهما : أنه أراد بقوله * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه ، وقياما بفرائضه وفي الحديث : « بنى الإسلام على خمس » وقد كانوا تشهدوا ، وصلوا ، وزكوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا حجوا ، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنزل اللَّه وهم بالموقف عشية عرفة * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * . أي : أكمل وضعه لهم . وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤنها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال وأي آية ؟ قال : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعرفة في يوم جمعة » . وروى أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بكى عمر ، فقال له ما يبكيك ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « صدقت » « 1 » . وبعد أن ذكر - سبحانه - في صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات ، وأتبع ذلك ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين . جاء ختام الآية لبيان حكم المضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فقال - تعالى - : * ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . وقوله * ( اضْطُرَّ ) * من الاضطرار بمعنى الوقوع في الضرورة . والمخمصة : خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد . يقال خمصه الجوع خمصا ومخمصة . إذا اشتد به . وفي الحديث : « إن الطير تغدو خماصا - أي جياعا ضامرات البطون - وتروح بطانا - أي مشبعات » . وقال الأعشى : يبيتون في المشتى ملاء بطونهم وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 61 - بتصرف وتلخيص - .