سيد محمد طنطاوي
349
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من يلده ، فذكر * ( إِلهَيْنِ ) * على طريق الإلزام لهم . والثاني : أنهم لما عظموها تعظيم الإله أطلق عليها اسم الإله كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّه . والثالث : أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك . ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامي عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم : المريمية ، يعتقدون في مريم الألوهية وهو أولى الأوجه عندي « 1 » . وقوله - تعالى - * ( قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) * بيان لما أجاب به عيسى على خالقه - عز وجل - . أي : قال عيسى مجيبا ربه بكل أدب وإذعان : تنزيها لك - يا إلهي - عن أن أقول هذا القول ، فإنه ليس من حقي ولا من حق أحد أن ينطق به . فأنت ترى أن سيدنا عيسى - عليه السلام - قد صدر كلامه بالتنزيه المطلق للَّه - عز وجل - ثم عقب ذلك بتأكيد هذا التنزيه ، بأن أعلن بأنه ليس من حقه أن يقول هذا القول ، لأنه عبد له - تعالى - ومخلوق بقدرته . ومرسل منه لهداية الناس فكيف يليق بمن كان شأنه كذلك أن يقول لمن أرسل إليهم * ( اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه ) * . ثم أضاف إلى كل ذلك الاستشهاد باللَّه - تعالى - على براءته ، وإظهار ضعفه المطلق أمام علم خالقه وقدرته فقال - كما حكى القرآن عنه - * ( إِنْ كُنْتُ قُلْتُه فَقَدْ عَلِمْتَه تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * . أي : إن كنت قلت هذا القول وهو * ( اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه ) * فأنت تعلمه ولا يخفى عليك منه شيء - لأنك أنت - يا إلهي - تعلم ما في * ( نَفْسِي ) * أي ما في ذاتي ، ولا أعلم ما في ذاتك . والمراد : تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم ، وتعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ، وتعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل إنك أنت - يا إلهي - علام الغيوب . فهذه الجملة الكريمة بجانب تأكيدها لنفى ما سئل عنه عيسى - عليه السلام - تدل بأبلغ تعبير على إثبات شمول علم اللَّه - تعالى - بكل شيء ، وقد أكد عيسى ذلك ، بأن المؤكدة وبالضمير أنت ، وبصيغة المبالغة « علَّام » وبصيغة الجمع للفظ « الغيوب » فهو لم يقل : إنك أنت عالم الغيب وإنما قال - كما حكى القرآن عنه - * ( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * بكل أنواعها ،
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 65