سيد محمد طنطاوي

343

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قوله : * ( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ) * متعلقا بقوله قبل ذلك * ( قالُوا آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ) * . أي : أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون ، في الوقت الذي قالوا له فيه * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * فكأنهم ادعوا الإيمان والإسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان ، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام : * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قالوا : * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * بعد إيمانهم وإخلاصهم ؟ قلت : ما وصفهم اللَّه بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ادعاءهم لهما ، ثم اتبعه بقوله : * ( إِذْ قالَ ) * فإذن دعواهم كانت باطلة ، وانهم كانوا شاكين ، وقوله : * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم . وكذلك قول عيسى لهم معناه : اتقوا اللَّه ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * أي : إن كانت دعواكم للايمان صحيحة » . وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها : 1 - أن الظرف في قوله : * ( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ) * ليس متعلقا بقوله : * ( قالُوا آمَنَّا ) * وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر ، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال : قوله : * ( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ) * كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله ، كما ينبئ عنه الإظهار في موضع الإضمار وإذ منصوب بمضمر . وقيل : هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الايمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم » « 2 » . 2 - أن قول الحواريين لعيسى * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) * لا يسحب عنهم الإيمان ، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها ( أ ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة اللَّه ، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم قالوا بعد ذلك * ( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) * . وشبيه بهذا قول إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ، قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 693 ( 2 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 72 .