سيد محمد طنطاوي

331

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اذكروا * ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّه الرُّسُلَ ) * « 1 » . والمعنى : لقد سقنا لكم - أيها الناس - ما سقنا من الترغيب والترهيب وبينا لكم ما بينا من الأحكام والآداب ، فمن الواجب عليكم أن تتقوا اللَّه وأن تحذروا عقابه ، وأن تذكروا ذلك اليوم الهائل الشديد يوم يجمع اللَّه الرسل الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام . في شتى الأمكنة والأزمان فيقول لهم : ماذا أجبتم من أقوامكم ؟ أي : ما الإجابة التي أجابكم بها أقوامكم ؟ وخص - سبحانه - الرسل بالذكر - مع أن الرسل وغيرهم سيجمعون للحساب يوم القيامة - لإظهار شرفهم وللإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم من الأقوام لأن هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم . وقال - سبحانه - * ( ما ذا أُجِبْتُمْ ) * ولم يقل - مثلا - « هل بلغتم رسالتي أولا » ؟ للإشعار بأن الرسل الكرام قد بلغوا رسالة اللَّه على أكمل وجه وأن الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون وزر مخالفتهم يوم القيامة . وقوله : * ( قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * حكاية لإجابة الرسل فإن قيل : لما ذا نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم ؟ فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأدب مع اللَّه - تعالى - فكأنهم يقولون : لا علم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شيء ، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا به أقوامنا ، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر ، أما علمك أنت - يا ربنا - فشامل للظواهر والبواطن ، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكى والالتجاء إلى اللَّه ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم . أو أن مرادهم لا علم لنا بما كان منهم بعد أن فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس ، لأن علمنا مقصور على حال من شاهدناهم وعاصرناهم . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال : فإن قلت : ما معنى سؤالهم ؟ قلت : توبيخ قومهم . كما كان سؤال الموؤودة توبيخا للوائد . فإن قلت : كيف يقولون : « لا علم لنا وقد علموا بما أجيبوا ؟ » . قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم - أي : بما ابتلوا به منهم - ، وكابدوا من سوء إجابتهم ، إظهارا للتشكى واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وذلك أعظم على الكفرة ، وأنت في أعضادهم ، وأجلب لحسرتهم

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 112 - بتصرف وتلخيص -