سيد محمد طنطاوي

306

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بأنه لا يستوي عنده الخبيث والطيب فقال : * ( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) * . والخبيث - كما يقول الراغب - ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أم معقولا ، وأصله الرديء الدخلة الجاري مجرى خبث الحديد كما قال الشاعر : سبكناه ونحسبه لجينا فأبدى الكير عن خبث الحديد وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد ، والكذب في المقال ، والقبيح في الفعال « 1 » . والطيب : الشيء الحسن الذي أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة ، ويتناول الاعتقاد الحق ، والمقال الصدق ، والعمل الصالح . والمعنى : قل - يا محمد - للناس : إنه لا يستوي عند اللَّه ولا عند العقلاء القبيح والحسن من كل شيء ، لأن الشيء القبيح - في ذاته أو في سببه أو في غير ذلك من أشكاله - بغيض إلى اللَّه وإلى كل عاقل ، وسيكون مصيره إلى الهلاك والبوار . أما الشيء الطيب الحسن فهو محبوب من اللَّه ومن كل عاقل ، ومحمود العاقبة دنيا ودينا . وقوله : * ( ولَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) * زيادة في التنفير من الشيء الخبيث ، وحض على التمسك بما هو طيب . أي : لا يستوي في ميزان اللَّه ولا في ميزان العقلاء الخبيث والطيب ، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر ، براق الشكل ، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل ، ولا تؤثر في نفسك كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر وفشا . فإنه سيئ العاقبة ، سريع الزوال ، لذته تعقبها الحسرة ، وشهوته تتلوها الندامة ، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية ، وطريقه المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء . أما الفريق الطيب أو الشيء الطيب فهو محمود العاقبة ، لذته الحلال يباركها اللَّه ، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة ، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم - مهما قل - سالكوه - هو الطريق الذي يوصل إلى كل خير وفلاح . ولا شك أن العقل عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن في الطيب سعادة الدنيا والآخرة . وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضى اللَّه عنها : « ما تمتع الأشرار بشيء إلا وتمتع به

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ص 141 للراغب الأصفهاني .